استيقظ ناصح الفالح هذا الصباح مبكرًا، وكان أمامه موعد مهم جدًا، وربما أهم من كل مواعيده السابقة. اليوم هناك احتفال كبير؛ قاعة واسعة، شخصيات مهمة، جمهور، منصة، ميكروفون، وأهم من كل ذلك كاميرات.
ارتدى ناصح أفضل ما لديه، وقف أمام المرآة قليلًا، ثم خرج وهو يعرف تمامًا ماذا يريد. ناصح لا يريد أن يستمع إلى أحد، ولا يريد أن يتعلم شيئًا جديدًا، ولا حتى يريد أن يناقش قضية ثقافية أو فكرية. ناصح يريد شيئًا واحدًا فقط: أن يصعد إلى المنصة.
وصل إلى القاعة، وألقى نظرة سريعة على الموجودين. ثلاثون شخصًا، وربما أربعون. لم يهتم. هؤلاء ليسوا جمهوره الحقيقي. جمهوره الحقيقي موجود في مكان آخر؛ خلف شاشات الهواتف، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لصورة واحدة أن تصنع من الشخص شيئًا مختلفًا تمامًا عن حقيقته.
ناصح يعرف أنه قليل الثقافة، محدود المعرفة، وضعيف في الحديث. ويعرف أيضًا أن الوقوف أمام جمهور ليس موهبته، و لكنة يتمتع بانعدام فى الحياء الفكري: لا يخجل من التلعثم أو نظر الاستخفاف في عيون الحاضرين؛ لأن مكسبه من «اللقطة» أكبر بكثير من خسرانه اللحظي في القاعة. لأن ناصح لديه حل سحري: الصورة.
يصعد إلى المنصة، يمسك الميكروفون، يعدل وقفته، يبتسم، وينظر إلى الكاميرا. يلتقط المصور الصورة الأولى، ثم الثانية والثالثة، فيشعر ناصح أن مهمته الأساسية قد انتهت. لم يعد مهمًا ماذا سيقول، فقد أصبح لديه الدليل الذي جاء من أجله.
بعد قليل، يمكنه أن يكتب على صفحته: «سعدت اليوم بالمشاركة في هذا اللقاء الثقافي السياسي الدبلوماسي و اكتب من الكلام الكبير دة زى ما انت تحب وسط نخبة من المفكرين والمثقفين»، ثم يضع الصورة.
صورة ناصح وهو فوق المنصة، والميكروفون أمامه، واللافتة الكبيرة خلفه..ولا أحد يرى في الصورة أن الرجل كان قبل دقائق يتلعثم في أبسط الكلمات، ولا أحد يرى أن بعض الحاضرين كانوا ينظرون إلى بعضهم بدهشة، ولا أحد يعرف أن هناك من كان يقول في نفسه: « الراجل ده بيقول إيه؟»، أو يتساءل: « هو ده مين اللي طلّعه يتكلم اصلا؟».
لكن ناصح لا يهمه كل ده. لان الذين كانوا في القاعة ليسوا القضية. القضية هي الآلاف الذين قد يرون الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي. هؤلاء لن يسمعوا كلامه، ولن يعرفوا ماذا قال، ولن يروا ردود أفعال الحاضرين. كل ما سيشاهدونه هو رجل يقف فوق منصة، أمام ميكروفون، وفي خلفية الصورة لافتة كبيرة لاحتفال أو لقاء مهم
**وهنا تبدأ صناعة «المكانة».
في زمن الصورة، قد لا تحتاج إلى سنوات من الدراسة حتى تبدو أستاذًا، ولا إلى كتب حتى تبدو مثقفًا، ولا إلى تجربة حتى تبدو خبيرًا. أحيانًا يكفيك ميكروفون وصورة جيدة وممكن ذكاء اصطناعي ينهي هذه المهمة
وهنا تظهر المفارقة. هناك من يقضي عمره في التعلم، ويقرأ ويبحث ويكتب ويجتهد، ثم يتردد قبل أن يصعد إلى منصة؛ لأنه يعرف قيمة الكلمة ومسؤولية الحديث أمام الناس. ..وهناك ناصح، لا يملك الكثير ليقوله، لكنه لا يتردد لحظة في الصعود.
الأول يخشى أن يقول كلمة لا تليق بمكانه،. أما الثاني فيخشى فقط أن تضيع منه الصورة.. الأول يبحث عن احترام الجمهور ..والثاني يبحث عن إعجاب المتابعين.. الأول يريد أن يخرج الناس من القاعة وقد أضاف إليهم شيئًا.. أما الثاني فيريد أن يخرج من القاعة ومعه صورة.
وهكذا أصبحت بعض المنصات، عند البعض، ليست مكانًا للعلم أو الفكر أو الحوار، وإنما مجرد ديكور لصناعة صورة اجتماعية جديدة. المهم أن تظهر، وأن تمسك الميكروفون، وأن يقف المصور أمامك. أما ماذا قلت، فهذا يأتي في المرتبة الأخيرة، بل ربما لا يأتي أصلًا.
والأغرب أن ناصح يعرف كل ذلك. يعرف أن الذين كانوا أمامه لم يقتنعوا به، لكنه لا يهتم، لأنه لا يخاطبهم. هو يخاطب من سيشاهدون الصورة بعد ساعات.
إنه لا يريد أن يكون أستاذًا في القاعة، بل يريد فقط أن يبدو أستاذًا على الهاتف.
وهنا تصبح الصورة أهم من الحقيقة؛ لأن الحقيقة تحتاج إلى علم وثقافة وخبرة وحضور وقدرة على الإقناع، أما الصورة فلا تحتاج إلى أي شيء من ذلك. الصورة لا تسأل صاحبها: ماذا قرأت؟ ولا تقول له: ماذا تعرف؟ ولا تختبره في الثقافة. الصورة فقط تقول: «انظروا.. ناصح كان على المنصة».
وهذا، بالنسبة لناصح الفالح، يكفي جدًا. فهو لا يريد أن يكون استاذ في المعرفة، بل استاذ فى الصورة.